تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 311 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 311

311 : تفسير الصفحة رقم 311 من القرآن الكريم

** أَفَرَأَيْتَ الّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لاُوتَيَنّ مَالاً وَوَلَداً * أَطّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتّخَذَ عِندَ الرّحْمَـَنِ عَهْداً * كَلاّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلاً قيناً وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه, فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد, فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك, فأنزل الله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولداً ـ إلى قوله ـ ويأتينا فرد} أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به وفي لفظ البخاري: كنت قيناً بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفاً, فجئت أتقاضاه فذكر الحديث, وقال: {أم اتخذ عند الرحمن عهد} قال: موثقاً.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى, عن مسروق قال: قال خباب بن الأرت: كنت قيناً بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل, فاجتمعت لي عليه دراهم فجئت لأتقاضاه, فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد, فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث, قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد, فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {أفرأيت الذي كفر بآياتن} الاَيات. وقال العوفي عن ابن عباس: إن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطالبون العاص بن وائل السهمي بدين, فأتوه يتقاضونه, فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات ؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الاَخرة, فو الله لأوتين مالاً وولداً, ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به, فضرب الله مثله في القرآن, فقال {أفرأيت الذي كفر بآياتنا ـ إلى قوله ـ ويأيتنا فرد} وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم: أنها نزلت في العاص بن وائل. وقوله: {لأوتين مالاً وولد} قرأ بعضهم بفتح الواو من ولدا, وقرأ آخرون بضمها, وهو بمعناه, قال رؤبة:
الحمد لله العزيز فرداًلم يتخذ من ولد شيء ولداً
وقال الحارث بن حلزة:
ولقد رأيت معاشراًقد ثمروا مالاً وولدا
وقال الشاعر:
فليت فلاناً كان في بطن أمهوليت فلاناً كان ولد حمار
وقيل: إن الولد بالضم جمع, والولد بالفتح مفرد, وهي لغة قيس, والله أعلم. {أطلع الغيب} إنكار على هذا القائل {لأوتين مالاً وولد} يعني يوم القيامة, أي أعلم ماله في الاَخرة حتى تألى وحلف على ذلك {أم اتخذ عند الرحمن عهد} أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك, وقد تقدم عند البخاري أنه الموثق. وقال الضحاك عن ابن عباس: {أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهد} قال: لا إله إلا الله فيرجو بها. وقال محمد بن كعب القرظي {إلا من اتخذ عند الرحمن عهد} قال: شهادة أن لا إله إلا الله, ثم قرأ {إلا من اتخذ عند الرحمن عهد}.
وقوله: {كل} هي حرف ردع لما قبلها, وتأكيد لما بعدها {سنكتب ما يقول} أي من طلبه ذلك وحكمه لنفسه بما يتمناه وكفره بالله العظيم , {ونمد له من العذاب مد} أي في الدار الاَخرة على قوله ذلك وكفره بالله في الدنيا, {ونرثه ما يقول} أي من مال وولد نسلبه منه عكس ما قال إنه يؤتى في الدار الاَخرة مالاً وولداً زيادة على الذي له في الدنيا, بل في الاَخرة يسلب منه الذي كان له في الدنيا, ولهذا قال تعالى: {ويأتينا فرد} أي من المال والولد. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس, {ونرثه ما يقول} قال: نرثه.
قال مجاهد: {ونرثه ما يقول} ماله وولده. وذلك الذي قال العاص بن وائل. وقال عبد الرزاق عن معمر, عن قتادة {ونرثه ما يقول} قال: ما عنده. وهو قوله: {لأوتين مالاً وولد}. وفي حرف ابن مسعود: ونرثه ما عنده وقال قتادة {ويأتينا فرد} لا مال له ولا ولد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {ونرثه ما يقول} قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها, قال {ويأتينا فرد} قال: فرداً من ذلك لا يتبعه قليل ولا كثير.

** وَاتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ آلِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً * أَلَمْ تَرَ أَنّآ أَرْسَلْنَا الشّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ أَزّاً * فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدّاً
يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون تلك الاَلة {عز} يعتزون بها ويستنصرونها ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا ولا يكون ما طمعوا فقال: {كلا سيكفرون بعبادتهم} أي يوم القيامة {ويكونون عليهم ضد} أي بخلاف ما ظنوا فيهم كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} وقرأ أبو نهيك {كل سيكفرون بعبادتهم}. وقال السدي: {كلا سيكفرون بعبادتهم} أي بعبادة الأوثان.
وقوله: {ويكونون عليهم ضد} أي بخلاف ما رجوا منهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {ويكونون عليهم ضد} قال: أعواناً. قال مجاهد: عوناً عليهم تخاصمهم وتكذبهم. وقال العوفي عن ابن عباس {ويكونون عليهم ضد}, قال: قرناء. وقال قتادة: قرناء في النار يلعن بعضهم بعضاً, ويكفر بعضهم ببعض. وقال السدي {ويكونون عليهم ضد} قال: الخصماء الأشداء في الخصومة, وقال الضحاك {ويكونون عليهم ضد} قال: أعداء. وقال ابن زيد: الضد البلاء, وقال عكرمة: الضد الحسرة.
وقوله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أز} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: تغويهم إغواءاً, وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه. وقال مجاهد: تشليهم إشلاء وقال قتادة: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله, وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراءاً وتستعجلهم استعجالاً. وقال السدي: تطغيهم طغياناً. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين} وقوله: {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عد} أي لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم {إنما نعد لهم عد} أي إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط, وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله. وقال: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} الاَية, {فمهل الكافرين أمهلهم رويد} {إنما نملي لهم ليزدادوا إثم} {نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} وقال السدي: إنما نعد لهم عداً: السنين والشهور والأيام والساعات. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إنما نعد لهم عد} قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.

** يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتّقِينَ إِلَى الرّحْمَـَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىَ جَهَنّمَ وِرْداً * لاّ يَمْلِكُونَ الشّفَاعَةَ إِلاّ مَنِ اتّخَذَ عِندَ الرّحْمَـَنِ عَهْداً
يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا, واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم, وأطاعوهم فيما أمروهم به, وانتهوا عما عنه زجروهم, أنه يحشرهم يوم القيامة وفداً إليه, والوفد هم القادمون ركباناً, ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الاَخرة. وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه, وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم, فإنهم يساقون عنفاً إلى النار {ورد} عطاشاً, قاله عطاء وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد, وههنا يقال: {أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندي}.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفد} قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحاً, فيقول: من أنت ؟ فيقول أما تعرفني ؟ فيقول: لا, إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك, فيقول: أنا عملك الصالح, هكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه, فطالما ركبتك في الدنيا فهلم اركبني فيركبه, فذلك قوله: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفد} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفد} قال: ركبانا.
وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى, حدثنا ابن مهدي عن شعبة عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفد} قال: على الإبل. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل النوق. وقال قتادة {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفد} قال: إلى الجنة. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد, أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق, حدثنا النعمان بن سعد, قال: كنا جلوساً عند علي رضي الله عنه, فقرأ هذه الاَية: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفد} قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون ولا يحشر الوفد على أرجلهم, ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها, عليها رحائل من ذهب, فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة, وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به. وزاد عليها رحائل من ذهب وأزمتها الزبرجد والباقي مثله.
وروى ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً جداً مرفوعاً عن علي, فقال: حدثنا أبي, حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي, حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي, سمعت أبا معاذ البصري قال: إن علياً كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقرأ هذه الاَية {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفد} فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده,إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر, فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان, فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس, ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً, وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة, فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفحة, فيسمع لها طنين يا علي, فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل, فتبعث قيمها فيفتح له, فإذا رآه خر له ـ قال مسلمة أراه قال ساجداً ـ فيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك, فيتبعه, ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة, فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه, ثم تقول: أنت حبي وأنا حبك, وأنا الخالدة التي لا أموت, وأنا الناعمة التي لا أبأس, وأنا الراضية التي لا أسخط, وأنا المقيمة التي لا أظعن, فيدخل بيتاً من رأسه إلى سقفه مائة ألف ذراع, بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أحمر وأصفر وأخضر, ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريراً, على كل سرير سبعون حشية, على كل حشية سبعون زوجة, على كل زوجة سبعون حلة, يرى مخ ساقها من وراء الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه, الأنهار من تحتهم تطرد أنهار من ماء غير آسن, قال: صاف لا كدر فيه, وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ولم يخرج من ضروع الماشية وأنهار من خمر لذة للشاربين لم يعتصرها الرجال بأقدامهم, وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار, فإن شاء أكل قائماً وإن شاء قاعداً وإن شاء متكئاً, ثم تلا: {ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليل} فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض, وربما قال أخضر, فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها, أي الألوان شاء, ثم يطير فتذهب فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم {تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض لأضاءت الشمس معها سواد في نور» هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعاً, وقد رويناه في المقدمات من كلام علي رضي الله عنه بنحوه, وهو أشبه بالصحة, والله أعلم.
وقوله: {ونسوق المجرمين إلى جهنم ورد} أي عطاشا {لا يملكون الشفاعة} أي ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض, كما قال تعالى مخبراً عنهم: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم}. وقوله: {إلا من اتخذ عند الرحمن عهد} هذا استثناء منقطع بمعنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً, وهو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إلا من اتخذ عند الرحمن عهد} قال: العهد شهادة أن لا إله إلا الله, ويبرأ إلى الله من الحول والقوة, ولا يرجو إلا الله عز وجل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عثمان بن خالد الواسطي حدثنا محمد بن الحسن الواسطي عن المسعودي, عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة, عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله يعني ابن مسعود هذه الاَية {إلا من اتخذ عند الرحمن عهد} ثم قال: اتخذوا عند الله عهداً, فإن الله يوم القيامة يقول: من كان له عند الله عهد فليقم, قالوا: يا أبا عبد الرحمن فعلمنا. قال: قولوا: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة, فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أن لا تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير, وإني لا أثق إلا برحمتك, فاجعل لي عندك عهداً تؤديه إليّ يوم القيامة, إنك لا تخلف الميعاد. وقال المسعودي: فحدثني زكريا عن القاسم بن عبد الرحمن, أخبرنا ابن مسعود وكان يحلق بهن خائفاً مستجيراً مستغفراً راهباً راغباً إليك, ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه.

** وَقَالُواْ اتّخَذَ الرّحْمَـَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السّمَاوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الأرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرّحْمَـَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرّحْمَـَنِ أَن يَتّخِذَ وَلَداً * إِن كُلّ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمَـَنِ عَبْداً * لّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدّهُمْ عَدّاً * وَكُلّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً
لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى عليه السلام وذكر خلقه من مريم بلا أب, شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولداً, تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً, فقال: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم} أي في قولكم هذا {شيئا إد} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك: أي عظيماً. ويقال إداً بكسر الهمزة وفتحها, ومع مدها أيضاً ثلاث لغات أشهرها الأولى وقوله: {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولد} أي يكاد ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظاماً للرب وإجلالاً, لأنهم مخلوقات ومؤسسات على توحيده, وأنه لا إله إلا هو, وأنه لا شريك له ولا نظير له, ولا ولد له, ولا صاحبة له, ولا كفء له, بل هو الأحد الصمد.
وفي كل شيء له آيةتدل على أنه واحد
قال ابن جرير: حدثني علي, حدثنا عبد الله, حدثني معاوية عن علي, عن ابن عباس في قوله: {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً * أن دعوا للرحمن ولد} قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين, وكادت أن تزول منه لعظمة الله, وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك, كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله, فمن قالها عند موته وجبت له الجنة», فقالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته ؟ قال «تلك أوجب وأوجب». ثم قال «والذي نفسي بيده لو جيء بالسموات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن, فوضعن في كفة الميزان, ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن» هكذا رواه ابن جرير, ويشهد له حديث البطاقة, والله أعلم.
وقال الضحاك: {تكاد السموات يتفطرن منه} أي يتشققن فرقاً من عظمة الله, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وتنشق الأرض}, أي غضباً له عز وجل, {وتخر الجبال هد}, قال ابن عباس: هدماً, وقال سعيد بن جبير: هداً ينكسر بعضها على بعض متتابعات. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري, حدثنا سفيان بن عيينة, حدثنا مسعر عن عون عن عبد الله قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان, هل مر بك اليوم ذاكر الله عز وجل ؟ فيقول: نعم ويستبشر, قال عون: لهي للخير أسمع أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره, ثم قرأ {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً * أن دعوا للرحمن ولد}.
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا المنذر بن شاذان, حدثنا هودة, حدثنا عوف عن غالب بن عجرد, حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال: بلغني أن الله لماخلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة ـ أو قال ـ كان لهم فيها منفعة, ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة قولهم: اتخذ الرحمن ولداً, فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر. وقال كعب الأحبار: غضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنه يشرك به ويجعل له ولدا, وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم» أخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ «أنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم». وقوله: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولد} أي لا يصلح له ولا يليق به لجلاله وعظمته, لأنه لا كفء له من خلقه, لأن جميع الخلائق عبيد له, ولهذا قال: {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عد} أي قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة, ذكرهم وأنثاهم, صغيرهم وكبيرهم, {وكلهم آتيه يوم القيامة فرد} أي لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له, فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة, ولا يظلم أحداً.